السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من عادتي أن امتنع عن التعليق على صفحات الآخرين قدر الإمكان , لكن و لمرتين مؤخرًا يستفزني موضوع يُطرح على الانستجرام و اقرر كتابة رد على المقطع , كلا المرتين يتناولون موضوع مصاريف الزواج والعرس و الدزة – مهر و هدايا الزوج للزوجة قبل عقد القران – و أحد المقطعين استعرض مبالغ هائلة لمتطلبات الهدايا بما يساوي ١٧ ألف د.ك ما بين مهر و ساعة و حقيبة فاخرة و طقم ذهب وألماس مدعيًا أن هذه دزة شخص متوسط الدخل ! و بعد هذه التكاليف لا يزال لديه تكاليف تجهيز البيت و تأثيثه و السفر و غيرها .
لفتتني فكرة كيف أن وسائل التواصل الاجتماعي والمواضيع التي تُطرح من خلالها , تحتوي على تعميم يُطرح كحقائق توحي للمتابعين بأن فعلاً هذا هو ما يحدث على أرض الواقع , ونجد أن بعض الناس حقيقةً يتبنون الفكرة المطروحة حتى لو لم تناسبهم و آخرين يشعرون بالضغط وكأنهم يسبحون عكس التيار المُدعى على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي لعدم اتباعهم الفكرة المطروحة .
لسنوات طويلة كانت الأمثلة المطروحة بشأن الحياة بين الواقع والافتراض و متابعاتنا للمشاهير كانت عن زيف المظاهر و كثرة المشتريات من الماركات العالمية ورحلات السفر حول العالم عدة مرات بالشهر وليس حتى بالسنة أو زيف العلاقات الرومانسية تحديدًا عن ما يظهر على الشاشة و ما ورائها .
اليوم لم تعد فقط هذه الأمثلة المطروحة التي يقارن بها الإنسان نفسه أو يضعها معيارًا , بل قد يعتقد أنه تخطى هذه المظاهر و تخطى تصديق هذه المقاطع لإدراكه أن هؤلاء الناس لا يشابهونه بالظروف سواء رصيد إجازات من العمل أو رصيد أموال مثلاً , اليوم نشاهد الناس تتابع و تقارن و تقلد و تضع المعيار من أصحاب حسابات الاستشارات الزوجية و الاستشارات التربوية و صانعي المحتوى المتخصصين في مقاطع الترتيب و التنظيف و بالأمهات اللاتي كرسن صفحاتهن لاستعراض أطفالهن المرتبين المؤدبين و قدراتهن كأمهات خارقات , أو هدايا بقيمة ١٧ ألف دينار لمتوسط الدخل !
فيما سبق كان المتابع يشاهد المشهور و هو يستعرض مختلف أنواع الحلويات المرسلة لبيته حتى يصور مقطع اعلاني و ينشره , اليوم المتابع يشاهد شخص عادي مثله يشتري طبق من الحلويات ليشاركه مع عائلته , يتحفز لطلب نفس الطبق و قد يُدهش من السعر ولكن لديه ثقة بذوق صاحب الحساب أكثر من المشاهير المعلنين , و يتكرر الأمر ذاته عندما تتابع الإمرأة إمرأة أخرى عادية تنشر صورة واحدة لزيارتها للصالون مع قهوة الصالون و تعليق ” أحسن مساج بعد الدوام” فتتبع خطاها و تذهب , أما على سبيل المثال للجوانب الشخصية و المنزلية نجد أنفسنا نستحسن طريقة ترتيب معينة أو تنظيف أو روتين بناءً على مقاطع نتابعها ثم نجد أنه كان جميل ولكن قد لا نتبناه على المدى الطويل أو متعب أو بعض الظروف الشخصية لم تساهم بجعل التجربة أفضل.
لا بأس بالشراء و الذهاب و بالتجربة , غالبًا هذه هي طرقنا في التعرف على الجديد و الأخير و الشهير من كل مجال عبر وسائل التواصل الاجتماعي , لكن الواقع أن بشكل واعي أو لا واعي قد نتفاجئ بأننا نتبع أسلوب حياة مجموعة من الأشخاص الذين نعتبرهم أقران لنا ولكن حين نتبع العديدين في وقتٍ واحد يواجهنا واقع أن أوقاتنا و ظروفنا و مجهودنا و أموالنا لن تسع لكل شيء ! بالأخير أنت فرد واحد تحاول تطبيق حياة ١٠ أفراد !
أصبح الفرد منا يسعى للرفاهية و المتعة و التجارب الجديدة و الوجهات الشهيرة و الاستثمارات و التطوير على الصعيد الشخصي و المهني و التخطيط للدين والدنيا في يوم واحد و وقت واحد ! حتى يشعر بالعجز واليأس رغم أنه غير تفكيره ولم يعد يصدق المشاهير ! و يتابع المفيد و الموثوق .
ختامًا , معيارك نفسك وما يناسبها , لا كما تشاهد على الشاشات فالناس متفاوتين على جميع الأصعدة , لا يوجد من يفرض عليك أي شيء , اختر و قدم ما يتناسب مع ذوقك و مقدرتك , و تفهم أن الحياة لا تسع لكل شيء طوال الوقت , فالأولويات تختلف حسب غايتك بالمرحلة الآنية فتصرف على هذا الأساس ولا تأخذ ما يتداول و ينشر كأمر مسلم به بل استكشف بنفسك مختلف الخيارات و اختر بوعي و عن قصد ما هو مناسب و ما يعبر عنك و يخدم مصالحك .
دمتم سالمين ونلقاكم على خير

